واسطتك كى تعيش!!

لا داعى للإنكار، الواسطة دخلت الآن فى كل شىء، بما فى ذلك حق الحياة.

أخبِرنى مَن واسطتك أُخبرك هل تستطيع أن تجد لابنك الوليد مكانًا فى (الحضانة) أم لا، وهل سيجد والدك غرفة عناية مركزة أم لا، وهل تستطيع ست غلبانة علاج ابنتها بالمجان فى مستشفيات الحكومة التى يتكوَّم الناس أمامها انتظارًا للدور أم ستموت فى انتظار هذا الدور، ولربما ماتت من علاج خاطئ أو سوء رعاية.

أستطيع أن أروى لك العديد من الحكايات التى ترِد إلينا كصحفيين عبر تليفونات يريد أصحابها التعلُّق بقشة أملًا فى إنقاذ أحبابهم، وبحثًا عن واسطة، كما أستطيع أن أروى لك حكايات أخرى عن الابتزاز الذى يمارسه كثيرون على «السوشيال ميديا» ووسائل الإعلام لو جرؤ أحدهم وقال: مافيش مكان، لينسى الجميع أن أزمة مصر فى كل قطاعاتها تتعلَّق بشىء واحد اسمه الإدارة.

مصر لا تحتاج إلى رئيس بل إلى مدير شاطر وكفاءات مخلصة، تبحث عن حلول خارج الإطار، فلا معنى للمشروعات القومية إن لم يواكبها إنجاز يؤثّر بشكل مباشر على حياة المواطنين، ولعل الرعاية الصحية، بل الأكيد، أول ما يجب أن نهتم به تحت عنوان كبير اسمه صحة المصريين.

ليس معقولًا أن يتكدَّس الناس لعلاج أبنائهم من السرطان فى مستشفى واحد اسمه 57357، بينما الدولة لا تطوّر من معهد الأورام إدارة ورعاية وتمويلًا بحلول غير تقليدية، من الممكن بل من الضرورة أن يشارك المجتمع المدنى فيها، وأن تستفيد الدولة من التجربة الناجحة لتعميمها.

ليس من المعقول أن تعانى مستشفيات الصعيد لأن الأطباء لا يريدون العمل قبل صرف بدل المناطق النائية الذى ألغته الدولة، كما أنه ليس من المنطقى أن يتلخّص مفهوم تطوير الرعاية الصحية لدى كثيرين فى زيادة مرتبات الأطباء، وليس من المهنى والأخلاقى أن يكون الأطباء فى عياداتهم الخاصة بمنتهى الانتظام، لكنهم غائبون عن أداء عملهم وواجبهم فى المستشفيات، ومن العبث أن يكون الجميع من وزارة صحة ونقابة أطباء على علم بتشخيص المشكلة لكن البيروقراطية والقوانين العقيمة والإمكانات المتأخرة تمنعهم من إيجاد الحل.

هل تريد أن أحكى لك عن آخر زيارة لى إلى الأقصر، وفى عز الصيف لا تجد محافظة بأكملها سوى طبيب إسعاف واحد لكل المحافظة، أم أحدثك عن مرافق ومبانٍ موجودة بالفعل وعلى أعلى مستوى لكنها مغلقة، إما بسبب فساد وإما بسبب روتين أو ضمير فى غيبوبة.

هل تعلم أن مرضى فيروس سى فى مصر وأمراض الكبد بشكل عام حزب أغلبية. وحين قررت الدولة أن تحل الملف ظهرت جهود متناثرة لكفاءات تعمل فى جزر منعزلة بدلًا من أن تتحد وتجلس على مائدة واحدة لنرى صندوق تحيا مصر يعد بحل مشكلة فيروس سى بحلول 2018، بينما يعد بنك الشفاء بحلها فى 2020، وتعمل «مصر الخير» على الملف فى الوقت الذى تجاهد فيه وزارة الصحة لإيجاد طريق وطريقة، وفى نفس الصدد مركز أمراض الكبد فى المنصورة يبحث عن تمويل ويحلم د.جميل شيحة مؤسسه ومديره بإيجاد حل.

مَن نصدّق إذن إذا كان الجميع يعمل (مع نفسه)، بينما كانت زيارة، مجرد زيارة لرئيس الوزراء، سببًا فى فتح ملف معهد القلب الذى نسيه الجميع، ولا نعلم هل جلس الجميع من أجل حل هذا الملف أم سنجد لخبطة وعبثًا جديدَين يفسدان كل شىء.

الحل فى خطط حقيقية، فى ترتيب أولويات، فى بناء مراكز نموذجية ومستشفيات شديدة التخصص تُدار بأساليب مختلفة عن العك الموجود الآن. الحل فى دعم المجتمع المدنى للقيام بدوره مع تعظيم هذا الدور والإشارة إلى نواحى القصور واحتياجات الناس، إضافة إلى نظم إدارة محترمة تحافظ على كل ذلك بعيدًا عن قوانين تقتل الناس بحجة استيفاء الإجراءات وانتظار الدور.

وسنعرف أن المشكلة تم حلّها من قلّة المكالمات التى تأتينا بحثًا عن واسطة للعلاج فى بلد لم يعد يقوم بما يجب عليه تجاه مرضاه، ولا يسعى لحل حقيقى وجذرى اسمه (السيستم).

فهل من مجيب؟

التعليقات