مجتمع حارس بلا أدوات حراسة

فى بداية عام 1956، أجرى الأستاذ كامل الشناوى، حوارًا مع الرئيس جمال عبد الناصر، كان الحديث الصحفى الأول تقريبًا للزعيم الراحل بعد أن استقر فى رئاسة الجمهورية، قال فيه الزعيم الكبير هذه الجملة التى أراها غاية فى الأهمية:

«إن ما عرفته الثورة من أعمال يُحتمل أن لا يبقى، ما لم يكن هناك مجتمع سليم يحمى هذه الأعمال، ويحرص عليها، ويدافع عنها، ولا يقف منها موقف المتفرّج، بل يشارك فيها، ويضيف إليها، وهذا ما نحاول اليوم أن نضع خطوطه الرئيسية».

وفى ذهن عبد الناصر فى ذلك الوقت، كانت وسيلة هذا المجتمع للمشاركة وحماية أعمال ومنجزات الثورة تنحصر فى الانخراط فى الاتحاد القومى، الذى كان زعيم الثورة يعتقد بأهليته كتنظيم سياسى لجمع المصريين وتوحيدهم، وفى خلفية ذلك ما عاشه بنفسه من انقسام حزبى فى ما قبل الثورة وسط خطاب كان يحمّل الأحزاب فى المرحلة التى توصف بالليبرالية أغلب الخطايا السياسية للعهد الذى كان يوصف بـ«البائد».

كانت تلك طبيعة مرحلة، التنظيم السياسى الواحد كان أحد الأشكال المقبولة فى تلك الفترة، لكن الاتحاد القومى لم يلبِّ طموحات عبد الناصر، ومن بعده الاتحاد الاشتراكى لم يستطع أن يعمل على الهدف الذى تمناه فى حواره مع الشناوى من حماية منجزات الثورة ومشاركة الشعب فى هذه الحماية بالإضافة والتقويم والحرص والدفاع والترشيد.

حاول عبد الناصر أن يبنى هذا المجتمع الحارس، لكنه كان مجتمعًا ترتيبه متأخرًا فى هرم السلطة، حتى إنه لم يستطع أن يحمى منجزات الثورة كما كان يتمنى الزعيم، وشاهد تلك المنجزات تضيع وتتبخَّر أمام عينيه، دون أن يستطيع حماية القطاع العام الذى تبدَّد معظمه، ولا سياسات العدالة الاجتماعية، ولا حتى الأنماط الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التى انحرفت إلى النقيض فى العهدَين التاليين.

لماذا فشل مجتمع عبد الناصر فى حماية منجزات حقبته بعد رحيله؟ لأن الزعيم الكبير تمنّى أن يؤسّس المجتمع الحارس، لكنه لم يترك له أدوات أو أسلحة تسمح له بالدفاع والحماية لإحباط تبديد المنجزات والانقلاب على السياسات، أو على الأقل ترشيد التحولات الحتمية والضرورية لتتم بانضباط دون مغامرات تضرب جذور وثوابت المجتمع.

لم يترك دستورًا يجعل الحاكم فى خدمة المجتمع، أو يضع للمجتمع مكانة مكافئة للحاكم، ولا أدوات لهذا المجتمع، مثل برلمان قادر على المحاسبة والمناقشة والمشاركة فى القرار، وإنما كان حاكمًا فردًا، وترك بعده حاكمًا فردًا استفاد من كل ما كان من صلاحيات.

بعض المدافعين عن ذلك كان يثق فى عبد الناصر حد الإيمان، ولا يثق فيمن جاءا بعده حد الكفر، لكنه أيضًا لم يجد الكثير ليفعله وهو يجد السادات ومن بعده مبارك يجريان فى الاتجاه العكسى، مستفيدين بنفس أدوات عبد الناصر مع قدر من الديكور، بينما هو لا يجد فى تركة ناصر سلاحًا دستوريًّا ولا قانونيًّا ولا سياسيًّا لمواجهة ذلك.

أيَّد مجتمع الستينيات حكم الفرد، فاستفاد بآلياته السادات ومبارك، وأيَّدت نخبة السادات فتح المُدد الرئاسية دون سقف، فاستفاد بذلك مبارك واستقر 30 عامًا.

حلم عبد الناصر بمجتمع حارس، ويحلم السيسى كذلك، وللمجتمع الحارس أدوات إن لم تتوافر يبقى تابعًا وليس شريكًا، والتابعون لا يصلحون لحماية أى شىء.

التعليقات