فرصة اللواء رأفت الضائعة

مثل كل وقائع التاريخ القريب والبعيد، التى تتحول إلى مجرد حكايات لا تجد من يحاول الاستفادة منها، تمر ذكرى رحيل اللواء أحمد رفعت نائب رئيس جهاز مباحث أمن الدولة السابق، دون أن يتلقفها كثيرون بالتحليل والدراسة.

اللواء رأفت أو «الحاج مصطفى رفعت» كمان كان يتحرك بهذا الاسم الكودى، واحد من أهم من تعامل مع ملفات الإرهاب والعنف الدينى، منذ أن تولى إدارة ملف النشاط الدينى فى مباحث أمن الدولة عام 2001، وصاحب تجربة سيأتى يوم وتنال حظها الواسع من الدراسة والتعميم فى المناهج الشرطية فى العالم.

بعد مواجهات عنيفة بين الدولة والجماعات والتنظيمات الإرهابية خلال الثمانينات والتسعينيات، اكتظت السجون بأكثر من عشرة آلاف معتقل ومحكوم عليه من أعضاء هذه التنظيمات، حتى جاء رأفت الذى دعم كفاءته الشرطية بماجستير فى الشريعة الإسلامية، وطرح مبادرته للحوار مع أعضاء هذه الجماعات، وصولا إلى المراجعات الشهيرة التى أطلقها مشايخ ومنظرو الجماعات الإسلامية، وأصَّلت لنبذ العنف، والتبرؤ من الحوادث السابقة، وراجعت من داخل هذه الجماعات كل الأسانيد التى كانت تستبيح الدم والقتل.

فتح اللواء رأفت حسب القراءات عن تجربته من مصادر مختلفة المجال لبناء علاقات إنسانية بينه وبين أعضاء هذه الجماعة، معادلة دقيقة، لا تنفى عن المعتقل إنسانيته، ولا تتجاهل جرمه، تنظر لظروفه، ولا تمنحه شيئا دون مقابل، وقبل سداد حق المجتمع والقانون من قبل الصادر ضدهم أحكام نهائية، فأسهم فى تحسين أحوال السجون والمعيشة فيها، وقام برعاية تعليمية للطلاب منهم، ودعم إجراءات حيوية جدا للتعامل مع الحالات الصحية داخل السجون، تتخطى اللوائح العقيمة، وتضع أمامها هدفا واحدا هو مساعدة الإنسان المريض حتى لو كان إرهابيا مدانا. ويحكى الشيخ ناجح إبراهيم، أحد رواد هذه المراجعات الكبرى الذى تجاوز بها كل اختبارات الثقة والصمود، كيف تصدى بنفسه لتحسين الرعاية الصحية بالسجون بعد تردٍّ واضح كان الطبيعى أن يتسبب فى وفاة المئات لأسباب صحية مختلفة، حتى إنه كان ينقل البعض منهم إلى المستشفيات فى سيارته الخاصة دون إجراءات روتينية أو حتى حراسات، إنقاذا لحياة المرضى.

حقق اللواء رأفت إنجازا غير مسبوق، على أى مستوى، رغم عدم تلقف نظام مبارك فى عز استقراره وانتصاره على الإرهاب، هذا النجاح للبناء عليه عبر مشروع سياسى وثقافى واسع، يسمح بسد الثغرات التى كانت تنفذ منها هذه الأفكار فى الشارع لتجند مزيدا من الشباب، ويسمح بالترويج لكتيبات المراجعات، وبدمج حقيقى لهؤلاء فى عملية سياسية محسوبة ومنضبطة وليست وليدة انفجار أو انتقال، وبإنتاج مشروع ثقافى يحاصر الأفكار التكفيرية فى الشارع، كما حاصرها اللواء رأفت فى السجون، وهى أيضا واحدة من الفرص التى أهدرها نظام مبارك، ولم يكترث لها مكتفيا بنجاحه الأمنى، واستقرار حكمه، دون أن يكترث لهدف أبعد له علاقة بعلاج مصر نهائيا من مرض التكفير وغواية التفجير وأصولهم وأفكارهم.

لا نجاح أمنيا فى مواجهة الإرهاب.. دون رؤية سياسية، ولا انتصار على التطرف دون مشروع فكرى وثقافى، ولا قيمة لكل ذلك دون أنسنة منضبطة تعامل المجرم بقدر إجرامه، ولا تنظر للمتهم المريض إلا كمريض فقط لا غير.

 

 

التعليقات