لا تجرحوا نور في قبره!

أخطأت الصحافة، أو ربما «استسهلت» هو التعبير الدقيق، عندما صار الهدف هو رصد الجنازة وسرادق العزاء ليتحول من إشارة جانبية على هامش الصفحة، ليصبح الخبر الرئيسى والمانشيت.

فى الصفحة الأولى، دخلت الفضائيات على الخط، فأحالت كل شىء إلى تجارة، لولا الملامة لقطعت الإرسال على الصلاة قبل الركعة الثانية، لتعرض إعلانا عن أحد أنواع المنظفات، وفى الثالثة أحدث صيحة لمشتقات الفياجرا، والرابعة بوكسر حسن حسنى. صار الأمر بالنسبة إليها لا يزيد على كونه مادة جاذبة للإعلانات، وهكذا تاجرنا جميعا بالموت فى الإعلام، سواء كان مكتوبا أو مرئيا، خلقنا لدى الناس هذا الشغف، ولهذا صار من البدهى أن تفرد له المساحات بحجة أننا نشفى غليل ونهم ورغبة الجمهور فى المتابعة.

كم جرحنا حرمة وجلال الموت، وأسأنا إلى المساجد والكنائس، عندما اقتحمنا بالكاميرا بيوت الله، وأخذنا نعتبرها صفقة للتصوير، وتداول تلك الأشرطة بعد ذلك كمادة مطلوبة على النت، ليصبح السؤال الأهم فى -الميديا- ليس ما الذى أضافه هذا الفنان إلى خريطة الإبداع، ولكن ما حدث فى السرادق، ومن بكى أكثر من الثانى، ومن صافح فلانًا رغم الخصام، ومن تجاهل علّانًا رغم الصلح، وما نوع النظارة التى وضعتها تلك الفنانة، هل نجحت عمليات التجميل التى أجرتها الفنانة «س» مقارنة بما حدث لوجه الفنانة «ص»؟ لا أنكر أن بعض الممثلين والممثلات ممن يقفون على حافة النجومية صار حضورهم للجنازة يعنى لهم الفرصة لسرقة الأضواء المجانية، وبعضهن تحديدا يعتبرنه فرصة لكى تكتب الصحافة أسماءهن وتحرص الفضائيات على التسجيل معهن، عدد منهن لا أراهن على الشاشة فى أعمال درامية، ومنذ سنوات ليس لهن سوى الوجود فى سرادق العزاء للإجابة عن هذا السؤال: ماذا تقول عن الفقيد فى هذه اللحظة التى نشاهد فيها روحه وهى تصعد إلى السماء؟ لو عدنا إلى الماضى، فى السبعينيات مثلا قبل الانتشار الفضائى، كانت التغطية الصحفية للجنازة ليست هى أبدا الحدث الأهم، مثلا أم كلثوم كانت الدولة تتولى التصوير من خلال التليفزيون المصرى، وأيضا الهيئة العامة للاستعلامات من أجل التوثيق، ولكن لم نصل -إطلاقا- إلى هذه الحالة من الفوضى التى صرنا نشاهدها، لتصبح وكأنها تنافس المهرجانات، مع الفارق أن هناك أماكن للتسجيل والتصوير فى المهرجانات، ولا يمكن أن يصعد مصور على سلم قاعة «لوميير» مثلا فى مهرجان «كان» مغادرا موقعه من أجل الاستحواذ على لقطة، على الفور يتدخل الأمن، ومن الممكن أن تنزع من المخالف الرخصة، وتُقدم ضده شكوى للنقابة. سرادق العزاء صار اقتحامه أسهل، فلا يوجد من ينظم دخول الكاميرات ولا يحدد أماكن الوقوف. أتذكر فى نهاية العام الماضى رانيا فريد شوقى فور عودتها من عزاء صديقتها معالى زايد، طالبت على حسابها الإلكترونى بأن لا يقيم لها أحد بعد عمر طويل سرادق، مكتفين فقط بقراءة القرآن الكريم، وأصبح الجميع شهودا على تلك الوصية، بينما والدها الملك فريد شوقى قبل رحيله عام 98 بأشهر قليلة كانت وصيته هى أن يقام له صوان أبهة يليق به.

عاش فريد شوقى زمنا كان الكل يحترم فيه رهبة الموت وحرمة العزاء، وشاهدت رانيا فريد شوقى سرادقات وداع يحيلها أنصاف الفنانين إلى فرصة لتحقيق نجومية على حساب الراحل العزيز، وتحيلها الصحافة والفضائيات إلى مادة صحفية وإعلامية رخيصة!!

مؤخرا انزعجت نقابة الممثلين ونقيبها الفنان أشرف زكى، وأصدرت بيانا تطلب فيه من الجميع الحفاظ على حرمة وجلال الموت، أكتب هذه الكلمة قبل ساعات من ذهابى لتقديم واجب العزاء فى مسجد عمر مكرم، أتمنى أن لا نجرح نور الشريف فى قبره!!

التعليقات