وداع يليق بـ«نور»!!

على باب المسجد وقفت بثبات كل من بوسى ومى لتلقى العزاء، سارة لم تقوَ على تحمل هذا المشهد، ولكن يبقى المعنى وهذا السلوك الحضارى عندما حافظ الآلاف من المعزين على أن لا يتحول السرادق إلى سوق شعبية، كان الجلال المشوب بالحب هو الذى يمنح لهذه الليلة خصوصيتها، فهى ليلة وداع تليق بـ«نور».

نقابة الممثلين أصدرت بيانا تطلب فيه من الجميع احترام خصوصية المناسبة وقدسية المكان، البعض رأى وجها آخر للصورة، باعتباره تدخلا من نقيب الممثلين أشرف زكى فى الشأن الصحفى، رغم أنه شأن إنسانى بالدرجة الأولى وليس صحفيا، عندما تنحرف الصحافة والفضائيات ويعتقد البعض أن التلصص فى السرادق هو الهدف وأن هذا هو السبق الصحفى كما ينبغى أن يكون السبق، نصبح بصدد كارثة متكاملة الأركان. وهو أيضا ما يشارك فيه بعض أدعياء الفن الباحثون عن الشهرة وبأى ثمن، أشباه الفنانين اعتبروا قبل سنوات أن تلك السرادقات صارت ساحة مفتوحة لسرقة الضوء ولتسويق أنفسهم إعلاميا، لا يعنيهم قيمة الفنان الذى يشاركون فى وداعه، بقدر ما يضعون أمامهم معيارا آخر وهو كم الكاميرات والبرامج المحتملة أن تواكب الحدث، وهكذا يحددون موقفهم من المشاركة فى تشييع جثمان الفقيد أو العزاء ليلا فى الجامع أو الكنيسة، طبقا لعدد الكاميرات الممكنة، يتدافعون صوب الضوء بعد أن تسبقهم دموعهم الزائفة. أتذكر فى عزاء الكاتب والسيناريست الكبير أحمد صالح قبل نحو ثلاث سنوات أن الكاميرات تضاءل وجودها ولهذا تضاءل الحضور، وجدت أن عديدا ممن وقف بجوارهم فى بداية المشوار ككاتب درامى وناقد فنى لم يعثر لهم على أثر يذكر فى السرادق، غابت الكاميرات فغابوا هم أيضا.

أول من أمس فى عزاء نور لم أجد فقط الحب الممزوج بالانضباط، ولكن وهذا هو الأهم قدمت بوسى ونورا درسا عمليا، بأنه لا يوجد ما يمنع أن تتلقى المرأة العزاء، رغم أن الثقافة الشعبية تعتبر أن إنجاب الأولاد أهم من البنات، لأنهم سيأخذون بعد عمر طويل العزاء فى آبائهم، وهذا من المؤكد ليس له علاقة بالإسلام إلا فقط فى عقول هؤلاء الذين يقصرون الدين على تحديد الفروق بين المرأة والرجل فى تلك التفاصيل. الإسلام وكل الأديان تنظر للإنسان باعتباره إنسانا أولا، ليس نوع الجنس هو أبدا الفيصل، لا تسأل رجل الدين فى مثل هذه الأمور عما يقوله الشرع، فهم سيرفضون أول قبطانة مصرية وعربية مروة السلحدار، من نظرة ذكورية معصوبة العينين، مثلما يرفضون أن تتلقى المرأة العزاء من الرجال، لا تسأل رجل الدين، فقط استفت قلبك.

تابعت الفضائيات عزاء نور بقدر غير مسبوق من الاهتمام، وأحاطت ذلك بالاحترام الواجب للمناسبة، فكان البث مباشرا على الهواء، وفى أكثر من فضائية، ولم تدخل الكاميرات لتتجول بحرية فى الجامع، وتطلب من هذا أن يجلس بجوار ذاك حتى تطلع الصورة حلوة، ولم نرصد صور «سيلفى» مع النجوم تجرح جلال المناسبة.

على أطراف جامع عمر مكرم شاهدت الآلاف من عشاق نور، الذين آثروا الوقوف على جانبى الشارع للمشاركة فى أداء الواجب، بعضهم كان فى الجامع، وقرر أن يغادره مسرعا، بعد أن استمع إلى آيات من الذكر الحكيم، ليفسح المجال لآخرين. الناس أحبت نور الشريف الفنان والإنسان، فهو أحبهم واحترمهم، وهكذا منحوه شهادة منسوجة من الحب والاحترام.. بالسلامة يا «نور».

التعليقات