التحدي المصري في ليبيا

يوجه الغرب وبعض حلفائه العرب كل طاقتهم لإسقاط نظام الرئيس السورى بشار الأسد، وسط توسع فى تسليح المعارضة، ودعم المقاتلين الموالين بكل أشكال الدعم العسكرى واللوجيستى والمخابراتى والسياسى.

نفس هذه الأطراف قبل 4 سنوات تحالفت ودعمت إسقاط القذافى فى ليبيا، ونفس هذه الأطراف تقف اليوم ممانعة لأى تدخل عسكرى فى ليبيا لاستعادة الدولة، حتى بعد أن توسع تنظيم الدولة «داعش» وسيطر تمامًا على مدينة «سرت» المهمة، معلنًا تمركزه لأول مرة فى شمال إفريقيا.

العالم الذى يعترف ببرلمان طبرق والحكومة المنبثقة عنه، هو نفسه العالم الذى يمنع إدخال السلاح إلى داخل ليبيا، حتى لو كان لتسليح الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًّا، بينما يتدفق السلاح على الميليشيات والتنظيمات بكثافة تمكنها من كسب الأرض.

الأطراف الإقليمية التى تؤيد التدخل العسكرى فى سوريا واليمن تتحفظ عليه فى ليبيا، وبعضها يجاهر برفضه تحت دعوات عديدة.

هل هناك إرادة دولية ما لـ«أفغنة» ليبيا أو «صوملتها» حسب ما يتردد فى تقارير إعلامية غربية وعربية؟ ولصالح مَن؟ و«داعش» التى فى الشرق هى «داعش» التى فى الغرب، لكنها تبدو خطرًا مُلحًّا شرقًا، ومواجهةً مؤجلةً أو مطلوبًا لها أن تتأجل لمدى غير معلوم فى الغرب.

فى ما يخص مصر، فالملف الليبى هو الأخطر على الإطلاق من بين التحديات التى تواجهها فى الإقليم، الحدود الشاسعة وعدم وجود حكومة مركزية تساهم من الجانب الآخر فى ضبط هذه الحدود، ووجود تنظيمات متطرفة معادية على الجانب الآخر تتمركز وتتمكن من كسب الأرض لتعزيز وجودها وانطلاقها، كل ذلك يفرض على مصر تحديدًا مسؤولية أكبر فى تكسير هذا التكبيل الدولى لحركتها، وتلك القيود على الحكومة الشرعية، وبناء تحالف «بمن حضر» عربيًّا وأوروبيًّا لدعم الحكومة المعترف بها بكل أشكال الدعم، والتدخل العسكرى المباشر على أكثر من محور، سواء ضربات جوية على مواقع هذه التنظيمات التى لم تعد تحتاج إلى مبرر لعدائها مع مصر، أو مساعدة الحكومة على فرض سيطرتها على الأرض على الأقل فى شرق البلاد.

لا توجد أطراف من تلك التى ترفع لواء التحفظ فى الملف الليبى، تواجه التهديدات التى تواجهها مصر، وحق الدول فى الدفاع عن نفسها هو حق معترف به ومجرب فى المنطقة، والأطراف الإقليمية التى انتهجت سياسة الدفاع عن نفسها ومصالحها بعبور حدودها لم تنتظر القرارات الدولية، ولا التفاهمات السياسية. والغرابة أن مصر كانت جزءًا بشكل أو بآخر من تحالفين دوليين، واحد ضد «داعش» فى العراق وسوريا عبر دعم لوجيستى، والثانى فى اليمن عبر مشاركة عسكرية فى تأمين الممرات البحرية، وضمان أمن الحدود السعودية.

هؤلاء الذين يحاولون إغراقنا فى المصطلحات الدبلوماسية والجمل الإنشائية التى تدين الإرهاب ولا تمد يدًا لمكافحته فى ليبيا، أياديهم ليست فى النار مثل الشعب الليبى، ولا تواجههم الأخطار والتهديدات التى تضرب صميم الأمن القومى المصرى، وانتظارهم عبث بالكامل، وفقْد لمزيد من الوقت الذى لا يصب إلا فى صالح تمكين الإرهاب وتقويته وتسمينه بدماء أبناء الشعب الليبى، ومثلما صحونا فوجدناه مستقرًا فى سرت، قد نصحو لنجده قضم مزيدًا وعيونه تتجه شرقًا.

التعليقات