«المسخرة» سلاح تدمير شامل

إذا كنت ممن يتابعون هذه الزاوية بانتظام فربما تلاحظ عزيزى القارئ أن عبد الله الفقير كاتبها يستخدم ويستعين كثيرا بمفردات وعبارات مثل «الكوميديا» ذات اللون الأسود الغطيس، و«المسخرة»، و«التفطيس من الضحك» وخلافه، فى وصف أحوالنا وأوضاعنا الصعبة جدا.

ولعلك يا عزيزى تستغرب وتتساءل أحيانا باستنكار: كيف تكون أوضاعنا هذه داعية إلى أى ضحك ولو كان ذلك النوع الذى اعتبره عمنا المتنبى أمرّ من البكاء؟!.. وأبدأ بأننى لا أستنكر استنكارك ولا أستغرب دهشتك، فأنا نفسى كثيرا ما أشعر بما يمكن أن أسميه «قلقا تعبيريا» وشيئا من عدم الراحة اللغوية، بسبب كثافة استخدامى هذه المفردات والعبارات فى أمور ربما تدعو إلى الاكتئاب، غير أن هذا القلق دفعنى إلى البحث والقراءة فى الموضوع، فإذا بى أكتشف أن الضحك أنواع وأجناس لا تكاد تقع تحت حصر، كما أن أسبابه ومثيراته ودوافعه متعددة ومختلفة اختلافا بينا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى آثاره، فهى إجمالا آثار مفيدة على الصعيدين الاجتماعى والجسمانى (مثلا، الضحك يحرك 17 عضلة فى وجه الإنسان و80 عضلة فى باقى جسمه) معا، لكنها قد تكون ضارة جدا جسمانيا واجتماعيا إذا زاد ضحك الإنسان عن حد معين وانقلب إلى داء هستيرى وقهقهة على الفارغة والمليانة، بما يستدعى المثل الشعبى الشائع: «الضحك من غير سبب قلة أدب». ومع أن علماء نفس كبار ورواد، أمثال فرويد وبافلوف وإدلر وغيرهم، أفردوا للضحك مساحة كبيرة فى الدراسات والبحوث النفسانية حتى بات مستقرا الآن مبحث خاص يسمى «علم نفس الضحك»، ورغم أن «العلاج بالضحك» LAUGHTER THERABY أمر قديم يعود فى نشأته إلى الحضارة الهندية، وهو الآن شائع ومستخدم على نطاق واسع، خصوصا فى حالات الاكتئاب الناتج عن شدة الضغوط العصبية، وما تسببه هذه الأخيرة من تأثيرات سيئة على عضلة القلب، فإن «الضحك المرضى» المفرط يسبب مشكلات حقيقية فى التواصل مع الناس ومشكلات صحية قد تكون أكثر خطورة، أبرزها إرهاق عضلة القلب أو السكتة الدماغية، كما يوصى الأطباء مرضاهم أحيانا بتجنب مثيرات الضحك، خصوصا هؤلاء المصابين بأمراض تنفسية معينة، وكذلك بعض النساء الحوامل، ومن خضعوا لعمليات جراحية وما زالوا لم يفكوا خياطتها بعد… إلخ. باختصار، تستطيع أن تقول إن الضحك داء ودواء فى آن واحد.. فكما تفرغ القهقهة كربك وتخفف من ثقل الهم على نفسك وبدنك، فقد تؤذيك وتهلكك أيضا، لهذا فإن التفطيس من الضحك عمدا، احتمال قوى جدا ولا يمكن استبعاده أبدا فى أثناء التأمل والبحث فى أسباب ودوافع عصابتين اثنتين تتنافسان حاليا على قتلنا، أولاهما تقتلنا وتفجرنا من دون أن تكف عن إنتاج المسخرة الفاقعة، والثانية تريد إبادتنا واستئصال شأفتنا تماما بفيض هائل من قذائف المسخرة والجهل وقلة الأدب تطلقها علينا يوميا من بعض شاشات التلفزة وزوايا مهجورة فى عدد من الصحف.

صباح الخير.

التعليقات