تانى.. استئصال «المشروع» لا البشر

السطور التى ستقرؤها حالا نشرتها هنا يوم الجمعة الماضى، واليوم أعيد أغلبها (مضطرا)، وأهديها حصرا إلى صديقى وشقيق روحى الأستاذ عبد الله السناوى، تعليقا على مقاله المنشور أمس (السبت) فى صحيفة «الشروق»:

«.. لا مجال لحل وسط بين أن نتقدَّم أو نتأخَّر، ولا ديمقراطية حقيقية تستطيع أن تستوعب أو تتعايش مع مشروع طائفى وفاشٍ، توهّم أصحابه أن بإمكانهم نشل هذا الوطن من نفسه ومن هُويته وحضارته و(…)، بحيث يصبح ساحة خراب شامل وبؤسا عاما ماديا وعقليا وروحيا، يتمدد فى فضاء يشغى بشتى أنواع الملوثات، من القمع والقهر والاستبداد والاستغلال، إلى الطائفية البغيضة التى صنعوا خلطتها المسمومة على نحو يجعل وسخها وشرورها عابرًا لكل الحدود، فلا تطال مواطنينا المسيحيين وحسب، وإنما تميز وتباعد وتضرب بالكراهية والحقد الأسود صفوف المواطنين المسلمين أيضا.

باختصار، الديمقراطية منظومة آليات هدفها الوصول بالناس إلى حقهم الطبيعى فى الحرية، وهى فى الجوهر والعمق (ولكى تستحق اسمها) تختزن قيما ومبادئ راقية، مثل التقدم والمساواة والعدالة وحفظ كرامة البشر، لهذا فالمجتمعات الناجحة تبنى ديمقراطيتها على أسس وأعمدة وأصول تتنافى وتتصادم تماما مع الركوع للفاشية والتسامح مع العنصرية والطائفية، واستعمال شعارات الدين فى خداع المواطنين واللعب بعواطفهم وعقولهم.

انظر فى الدنيا مِن حولك، ستجد الديمقراطيات الحقة تحمى نفسها بروادع دستورية وقانونية (موجودة عندنا لكنها حاليا فى إجازة طويلة)، تضمن أن لا تستخدم آلياتها سُلما تصعد عليه أشدّ القوى عداء لجوهرها وقيمها النبيلة، وأكثرها تهورا واستعدادا لتأميم ومصادرة كل تنوعات المجتمع وسحق مظاهر ثرائه وتعدده.

ولا أستطيع أن أكتم غيظى وأنهى هذه السطور من دون أن أسأل حفنة الثورجية الجدد وعميان البصر والبصيرة المتحزلقين المتأنقين بشعارات ومصطلحات لا يفقهونها أصلا: دلونى على نظام ديمقراطى رشيد فى هذا العالم يسمح بفرز وتصنيف الناس على أساس طائفى، ويفتح المجال العام، فضلا (عن سلطة الحكم) أمام جماعات وعصابات تختلس التفويض الإلهى وتجهر بالعداء الصريح للحرية وقيم التسامح والمساواة بين البشر.. هل مسموح فى بلدان الغرب التى تلبس بعض حكوماتها الآن رداء النفاق، أن يسرح ويمرح النازيون والعنصريون الصرحاء براحتهم فى أبنية الحكم وأركان الدولة بحجة (الديمقرطية وعدم الإقصاء)؟! هم طبعا موجودون فى هذه البلدان، لكن القوانين تجبرهم على التخفى وستر عقائدهم وأفكارهم الوحشية».

هذا الكلام كله كتبته من قبل، بدل المرة عشرات المرات، ولست فى حاجة أن أزيد عليه شيئا سوى أن أقول بصراحة إن «الإقصاء والاستئصال» ضروريان، ويفرضهما واقع مرير نكابد شروره الآن فعلا، غير أنهما يجب أن يستهدفا فقط «المشروع الظلامى» الفاشى بكل تجلياته وعصاباته لا البشر المؤمنين به، فهؤلاء من حقهم اعتناق عقيدة «التخلف»، وأن يحتفظوا بأفكارهم الناسفة فى رؤوسهم الفارغة، أما الذى ليس من حقهم ولا يجب التسامح معه إطلاقا، فهو العربدة بهذه العقائد الشاذة فى المجال العام.. واضح؟!

التعليقات