الحكيم واللحمة

بعض المواقع الإخبارية نشرت أمس معلومات وأرقام جاءت فى تقرير رسمى منسوب صدوره لجهاز التعبئة العامة والإحصاء بشأن ما يمكن أن أسميه «حالة اللحوم فى مصر».

ورغم أن الأرقام والنسب والمعلومات المنشورة توقفت عند العام 2013، إلا أنها بدت مدهشة وهى تلقى الضوء على حقائق خطيرة لا يمكن أن تصب فى مجرى التحليلات الشائعة لظاهرة تحول «اللحمة» فى مصر من شىء يصعب جدا على المواطن العادى أن يحصول عليه إلى شىء ينافس فى الاستحالة العثور على الأستاذين الغول والوحش، فضلا عن الست العنقاء.

توضح لك أرقام التقرير أن هذه الاستحالة، ليست لها علاقة بقانون العرض والطلب ولا قواعد «السوق» التى صارت عند البعض «إلها» يبجلونه ويكادون يعبدونه من دون المولى تعالى.. كيف لا علاقة لها بهذا القانون وتلك القواعد؟!

يقول لك التقرير الرسمى (ضمن أرقام ونسب عديدة) إنه بينما زاد عدد رؤوس الماشية بنسبة 24 فى المائة خلال المدة من عام 2000 إلى عام 2013، مع تحرك صعودى طفيف فى الطلب، فإن الفترة نفسها شهدت قفزات جنونية فى أسعار اللحوم بلغت نحو 300 فى المئة (من 17 جنيهًا للكيلو إلى 69 جنيهًا تقريبا)!!

إذن، وفى ظل هذه الحقيقة الموثقة لا بد من البحث عن أسباب لهذا الجنون الذى أصاب أسعار اللحوم (وأسعارالكثير من ضرورات الحياة) بعيدا عن محفوظات ببغاوية من نوع «العرض والطلب» و«جشع التجار» وخلافه، فمع التسليم بأن هذا الأخير (الجشع) حاضر بقوة فى المشهد المجتمعى البائس الموروث من عهود الخراب الطويلة، وأن قبحه وثقله زادا وتفاقما جدا عندما اختلط بالاحتكار وشيوع ثقافة النهب والنشل العام ومص دماء الناس بغير رحمة ولا شفقة ولا دقيقة راحة.. مع ذلك فتقديرى أن الجشع ووحشية السوق لا يصلحان وحدهما لتفسير الظاهرة، وإنما هناك عامل أو معطى آخر مستتر ومسكوت عنه يبدو فى موضوع «اللحمة» بالذات متحكما بقوة فى المشهد الجنونى الحالى، هذا المعطى تستطيع أن تدركه بسهولة عندما أخبرك بما قاله جزارا مثقفا (رحمه الله) جمعتنى به فى إحدى الليالى صدفة سعيدة على المقهى الغلبان الذى يضم شتات الأصدقاء نهاية كل نهار، لقد سمعنا من الرجل بمناسبة حديث ضاحك عن اللحمة سؤالا متلفعا بسخرية مرة نصه الآتى: هل تصدقون يا أساتذة أننا معشر الجزارين صرنا فى السنوات العشر الأخيرة (كان ذلك فى العام 2010) كلما قفز سعر اللحمة نبيع أكثر ونكسب أكثر (طبعا) وليس العكس؟!

فلما شاهد الجزار المثقف ملامح الدهشة مصلوبة على وجوهنا تطوع بالتفسير الآتى: أصل بقى فيه الآن طبقة فى هذا البلد بلغت من الفحش والوحشية درجة أنها لم تعد تستمتع بما راكمته فى كروشها من ثروات طائلة إلا عندما تجد أن ما تأكله وتشربه أو تسكن فيه، يعز أو يستحيل على ثائر خلق الله.. ربنا يرحمنا برحمته الواسعة.

قالها الرجل الحكيم ومات بعدها بشهور قليلة.

التعليقات