تنظيف مصر من الشطار

على مدى أيام طويلة، منعت نفسى بالعافية من التعليق على خبر إقدام المجلس الأعلى للجامعات على اتخاذ قرار تمدحه لو وصفته فقط بأنه شاذ وخطير وعجيب، إذ إنه يتناقض فى مضمونه بشكل صارخ مع مبادئ الدستور، بل وقيم ومبادئ إنسانية عليا أقوى حتى من الدساتير، مثل «العدالة» و«المساواة» و«عدم التمييز» بين الناس بأى ذريعة ولأى سبب.

قرار الأستاذ المجلس المذكور الذى أثار فزعى لدرجة أن عقلى رفض تصديقه وبقيت هكذا حتى كتبت هذه السطور (مضطرا) صباح أمس، يقضى بمنع التلامذة المتفوقين المنحدرين من أقاليم خارج القاهرة الكبرى والذين تنطبق عليهم شروط الالتحاق بكليتى «الاقتصاد والعلوم السياسية» و«الإعلام» بجامعة القاهرة، من عبور عتبات الكليتين هاتين!!

القرار غطاه صناعه بديكور وزواق تصوروه محكما ولئيما، لكن هذا «الزواق» بدا لئيما فعلا لكن بعبط وخيابة فلم يقو على ستر الانحراف والسوء الناضحين منه.. لقد صدر قرار منع الطلبة المتفوقين من دخول كليتين مرموقتين لا نظير لهما حتى الساعة فى جامعات الأقاليم فى صورة «تطبيق برىء» لقاعدة التوزيع الجغرافى بحيث تشمل الكليتين، غير أن مسؤولين فى الأستاذ «المجلس الأعلى» هبطوا وهم يجاهدون ويحزقون بشدة لتبرير قرارهم الفضيحة، إلى مستنقع حجج وتعليلات أقبح من الذنب الأصلى، فقد تحدثوا بكلام مروع معناه «تنظيف» جامعة القاهرة، ومدينة القاهرة نفسها من وسخ الشباب النابه الآتى من أرياف الوطن، وقال نفر منهم بوقاحة: إن الطلبة الريفيين «لا يعودون بعد انتهاء الدراسة إلى قراهم ومدنهم» خارج العاصمة وإنما يبقون فيها ويثقلون عليها ويعكرون مزاج السادة بتوع الأخ «الأعلى»!!

ولو كانت الحجج والتعليلات التى ساقها أصحاب القرار الفضيحة من نوع يصلح للمناقشة والرد والتفنيد، لفعلت أنا وغيرى، لكنها متهافتة ورديئة وقبيحة ومن صنف يهبط بالنقاش إلى مستوى صبيانى وعيالى جدا.. يعنى مثلا حجة تخفيف الزحام عن المدينة الجامعية وعن العاصمة، هى من البلاهة بحيث لا يفيد تذكير من يستعملها أن إجمالى عدد طلاب الكليتين بكل أقسامهما ودفعاتهما لا يكاد يتجاوز كثيرا العشرة آلاف طالب، يتخرج فيهما سنويا أقل من ألفين.. كما أن الحديث عن كليات نظيرة ومماثلة لهما فى جامعات الأقاليم يكاد يشبه تماما الزعم بأن صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا ضرع إنما هى «بستان» وواحة غناء، لمجرد أن فى قلب رمالها تنتصب يافطة مكتوب عليها «هنا حديقة»!!

غير أن المشكلة الحقيقية ليست فى القرار الفضيحة الذى أصدره الأستاذ «الأعلى» المذكور، ولا فى الحجج والتعليلات العبيطة المخجلة التى تذرع بها بعض المسؤولين فيه.. الفضيحة الأصلية ترقد مستريحة فى ثنايا ثقافة جلفة جاهلة ومستشرية، تحتقر البشر وتستخف بمبادئ وقيم راقية خلفتها مسيرة الحضارة الإنسانية الطويلة.. كما أنها أيضا تحرض على كراهية الوطن والسعى إلى أذاه بكل السبل، بما فى ذلك حرمانه من ألمع عقوله وأشطر وأنبه أبنائه.

التعليقات