جيش مصر.. دون مناسبة

فى منتصف سبعينيات القرن الماضى، كنتُ بالكاد أتسرَّب رويدا رويدا من أسر الطفولة الناعم، مستعينا بحب القراءة الذى أدركنى مبكرا جدا، وصرتُ مولعا بالتهام سطور مطوية بين دفّات كتب ومطبوعات من كل صنف..

من هذه الأيام البعيدة اكتشفت أن ذاكرتى الواهنة ما زالت تحتفظ بحكاية حكاها بغضب شديد، لكنه أنيق ومترفع عن الابتذال، الناقد السينمائى الكبير الراحل، سامى السلامونى، ضمن تقرير خبرى طويل ورائع، نشرته وقتها إحدى المجلات (لا أتذكَّر اسمها الآن) ممهورا بتوقيعه.

هذه الحكاية التى أظنّها تصلح للنشر الآن، نقلها السلامونى للقراء المصريين من بين وقائع ما جرى فى واحد من مهرجانات السينما العربية التى حضرها وقتها، ومختصرها أن نفرا قليلا من فنانين ونقاد ينتمون لقطر عربى مغاربى شقيق، تعمّدوا استخدام منصة هذا المهرجان لإطلاق حملة تشهير قاسية وهوجاء ضد صنَّاع السينما المصرية من دون تمييز، وبلغة «تعميم» تفيض بالحزلقة الفارغة، وتشى بغلبة الحقد والكراهية على فضيلة الاستقامة، أما أعجب المقولات التى استعملوها فى هذه الحملة، فهى اتهام السينمائيين والنقاد جميعا بأنهم يمجّدون من يسمّونهم «العسكرتارية فى مصر» (أى الجيش المصرى)، وكانت الذريعة التى توسلوا بها عبارة عن بضعة أفلام عرضت فى المهرجان المذكور، تناولت حرب أكتوبر، قلة ضئيلة منها جيدة، لكن أغلبها كان بالفعل شديد التواضع والتفاهة وغارقا فى التصنع (النسبة الكبرى من موجة «أفلام أكتوبر» لم تكن لها علاقة بالحرب أصلا، غير أن المعركة لما داهمت صنّاعها قاموا بحشر بضعة مَشاهد حربية فى هذه الأفلام.. وخلاص).

عَرَضَ سامى السلامونى فى تقريره نصوصا ومقتطفات مما قاله «الموتورون» هؤلاء، وفنّدها بقوة واقتدار (كما فعل فى المهرجان)، إذ لم ينكر أبدا سوء و«بلاهة» وعدم صدق أغلب ظاهرة الأفلام التى نسبت نفسها لحرب أكتوبر بالعافية، بل شرحها تشريحا فنيا راقيا وضافيا، وكشف أدلة افتعالها وسوقيتها، وميّز بينها وبين أعمال أخرى قليلة، لكنها جادة وصادقة ومشرفة (فيلم «أغنية على الممر» مثلا)، ثم انتقل بسرعة إلى المقولات التشهيرية التى بلغ من عمى وغباوة وحماقة قائليها أنهم خلطوا بروح الغل والانتقام بين النقد الفنى الرصين لأعمال فنية رديئة، وبين عناوين سياسية ووطنية خطيرة لا يصح تحويلها لشعارات شتم وتعريض وبذاءة.

وما زلت أذكر كلمات رائعة كتبها الناقد الراحل الكبير وختم بها تقريره، معناها: أنه إذا كان «تمجيد» جيش مصر الذى يضم بين صفوفه جحافل من أبناء شعبنا وأجمل شبابه، ويدخل معارك الشرف دفاعا عن الوطن والأمة ضد عدو عنصرى غاصب.. إذا كان ذلك جريمة أو تهمة فيشرّفنا جميعا أن ندان بها، ونعترف صراحة وعلنا باقترافها، ونحن فخورون مزهوون ومرفوعو الرؤوس.

يبقى قبل أن أختم أن سامى السلامونى عاش ومات شجاعا ووطنيا وفقيرا وشريفا ومتمردا وموهوبا، ومستقلا تماما عن أى سلطة وأى نظام.

طيب، هل تسأل عن مناسبة لهذه الحكاية القديمة؟! أبدا والله لا مناسبة على الإطلاق

التعليقات