سوء حظ أم غباء من الآخرين؟

شىء ما يجرى فى قسم المطرية، ليس هذا عنوان رواية أو مسرحية كلاسيكية لكنه تساؤل مشروع، والغريب أنه تساؤل معلن يكاد يتكرر كل يوم، دون أن يجد إجابة وافية شافية.

يكفى أن تضع «قسم المطرية» فى زاوية البحث عن الأخبار لتفاجأ بأن 90% من الأخبار الواردة عنه على شاكلة:

- جثث قسم المطرية.. لسان مقطوع وعين مفقوءة وظفر مخلوع.

- وفاة «محامٍ» فى قسم المطرية تعرَّض للتعذيب حتى الموت.

- وفاة مواطن بعد تعذيبه داخل قسم المطرية.

- التفاصيل الكاملة لوفاة مسنّ أمام قسم المطرية.

- النيابة تصرّح بدفن جثة سائق توفى داخل حجز قسم المطرية.

- ضابط شرطة يقتل «مسنًّا» خلال مطاردته متهمًا فى المطرية.

- الطب الشرعى: قتيل قسم المطرية تعرّض للتعذيب فى مناطق حساسة لعدة أسابيع.

- وفاة محتجز داخل قسم المطرية.

- وفاة محامٍ آخر بعد تعذيبه فى قسم المطرية.

- فى قسم المطرية.. أب ذهب لإخراج ابنه فتسلّم جثته.

- الطب الشرعى: ضحية قسم المطرية تم قطع لسانه وكسر فكه.

- ضابط بقسم المطرية يطلق النار على سائق لسيره عكس الاتجاه.

.. هذا مجرد موجز لأخبار عن قسم المطرية فى عام واحد، لكن الإحصاءات غير الرسمية تتحدَّث عن وفاة ما يقرب من 15 محتجزًا فى شهور قليلة، منها وفاة 8 حالات داخل حجز القسم فى النصف الثانى من عام 2014، وفى فبراير 2015 وفاة 3 محتجزين فى غضون 72 ساعة، وصحف أمس تتحدَّث عن وفاة اثنين فى ملابسات غامضة ومختلف عليها، أحدهما تم سحله فى أثناء القبض عليه، والثانى مات داخل الحجز.

رسميًّا ومن خلال أوراق التحقيقات وأقوال القائمين على القسم، قد تجد أسبابًا كثيرة لهذه الوَفَيَات، أهالى الضحايا يتحدثون عن التعذيب، وضباط القسم يتحدثون عن اختناقات وأزمات قلبية وهبوط حاد فى الدورة الدموية وأسباب كثيرة مَرَضية وقدرية، حتى إن أحد المتهمين على ما أذكر مات صعقًا بالكهرباء وقيل إنه كان يجلس أسفل جهاز تكييف يتدلّى منه سلك عريان فصعقه.

لا أناقش هنا الأسباب والروايات بقدر ما أناقش فكرة الانزعاج، فبأى معيار وأى كانت أسباب هذه الوَفَيَات؟ فهناك شىء ما فى قسم المطرية تحديدًا، هذه الحوادث المتكررة لا بد أنها تزعج مسؤولاً ما ولو من باب الحرص على سمعة المؤسسة، حتى لو كانت الوَفَيَات مجرد مصادفات تنم عن سوء حظ أو غباء من الآخرين كما يتندر المتندرون، فالمؤكد أن سمعة قسم الشرطة باتت مرهونة بالموت.

تستطيع أن تتلمس جهد وزير الداخلية فى تجديد دماء الوزارة والدفع بقيادات جديدة فى جميع القطاعات، وتستطيع أن تتلمس إحالة عدد كبير من الضباط والشرطيين إلى التأديب ومحاكم الجنايات، بينهم ضابطان من قسم المطرية يحاكمان بتهمة تعذيب محامٍ حتى الموت، لكن مع ذلك لا بد أن تشعر بانزعاج رسمى حقيقى من ارتباط كل هذا الموت بقسم شرطة واحد، وبحث جاد عن الأسباب مع تعدد روايات الموت المعلنة. هل الضباط فعلاً متجاوزون ويستحقون الإبعاد؟ هل كفاءتهم محل شك ويحتاجون إلى تأهيل؟ هل القسم يحتاج إلى مراجعة أماكن الاحتجاز فيه لتكون أكثر مراعاة للجوانب الإنسانية والصحية؟ هل يحتاج هذا القسم إلى خدمات صحية مقيمة وسيارة إسعاف ما دام معظم محتجزيه تداهمهم الأمراض الفاتكة والأزمات القلبية؟ هل المسألة مجرد سوء حظ يمكن معالجته بذبح عجل كفِرَق الكُرة المتراجعة فى النتائج؟

لا أعرف إجابات، لكن كل ما أعرفه أنه حتى بمعايير الجودة الإدارية البحتة هناك مشكلة فى قسم المطرية تستحق الدراسة الجادة المنصفة، والعلاج السريع الناجز.

التعليقات