الأسماك تموت سابحة

أحاول الآن أن أُترجم مضمون ومعنى ما كتبته هنا من أيام قليلة تحت عنوان «ماكرو وميكرو»، يعنى لن تقرأ فى سطور اليوم شيئا عن القضايا والمشكلات والبلاوى الكبرى التى تحيط بنا وتحاصرنا

ابتداءً من الاتفاق النووى الغربى مع إيران وتداعياته وآثاره على أمتنا وسائر الإقليم، مرورا بحفل الافتتاح المنتظر للمجرى الملاحى الجديد لقناة السويس (الذى أرجو أن لا يكون باذخا وأسطوريا، وإنما رصين جميل محترم فحسب)، وانتهاء بمشكلات تعثّر البناء الديمقراطى تحت ضغط مزدوج من العنف والتخريب والإرهاب المجنون من جهة، وفقر وأنيميا الوعى السياسى من جهة أخرى، كما لن تقرأ شيئا مباشرا عن «أم القضايا» ومصدر إنتاج التأخر والبؤس العام فى مجتمعنا، أى غياب رؤية وخطة واضحة ومعلنة للتقدم وإزالة خرائب التأخر بالتنمية الشاملة اقتصاديا واجتماعيا وتعليميا وتربويا وثقافيا وروحيا.. إلخ.

طيب، ماذا سأقرؤك فى السطور التالية؟! إنه تعليقى المتواضع على خبر قد يبدو لكثيرين صغيرا وليس خطيرا جدا، أو ربما ليس خطيرا بالمرة.. الخبر يقول إن مئتَى سمكة من أسماك الزينة التى تسبح فى بحيرات وأحواض حديقة الأسماك (الرائعة والمهملة) فى حى الزمالك بالقاهرة، ماتت ونفقت ولم يبقَ لنا إلا أن ندعو لها بحسن المآل والرحمة التى حرمت منها فى دنيانا وفى حديقتنا الغنّاء.

فى اليوم التالى لنشر النبأ آنف الذكر، قرأنا خبرا آخر خلاصته أن وزارة الزراعة التى تتبعها الحديقة المنكوبة فى أسماكها، أصدرت على لسان مسؤولة زراعية كبيرة تصريحا بشأن الموضوع، لم تنعِ فيه الأسماك التى فَقَدَها الوطن، وإنما زَفّت لنا أن الوزارة قررت -مشكورة- تشكيل لجنة فنية بيطرية رفيعة المستوى، مهمتها إعداد تقرير عن سبب رحيل الأسماك واستشهادها، وما إذا كان هذا الرحيل الجماعى «رحيلا طبيعيا» بعد أن حلّ أجلها المحتوم، أم ناجم عن «حاجات تانية» ليس من بينها الإهمال والتسيّب وترك السمكات الغلبانات تكابد وتعانى عيشة مُرة وسوداء فى بيئة مميتة، حيث المياه التى تسبح فيها آسنة عطنة وعفنة لا تتغير ولا تتجدد، ولا حاجة أبدا خالص البتة.

أما «الحاجات التانية» والاحتمالات التى أشارت إليها السيدة المسؤولة الزراعية حصرا بما يعنى أنها ترجّحها، فهى: «إما زيادة عدد الأسماك فى البحيرة»، ومن ثمّ إقدام بعضها على الانتحار للخلاص من «خنقة الزحمة»، أو الانتحار برضه هربا من «حرارة الجو»، ولا شىء آخر!

لا أريد أن أستبق تقرير اللجنة الفنية البيطرية رفيعة المستوى، وما ستصل إليه فى نهاية بحثها المعمق بشأن أسباب استشهاد ورحيل مئتين من سكان حديقة الأسماك، لكننى فقط أريد أن أحيّى أرواح الراحلات الطاهرات، وأشيد بصبرها وصمودها معنا فترة من الزمن، يكفى أنها استشهدت فى هدوء وسكينة، وهى سابحات، ومن دون يسجّل عليها أحد أى كسل أو قعود لحظة واحدة عن أداء واجبها المقدس فى إمتاع الناظرين من رواد الحديقة «إذا وجدوا» بجمالها الأخَّاذ.

و.. البقية فى حياتكم.

التعليقات