فرق ما بينا البين ماعدناش سوا!!

إنها بالتأكيد ليست نقلة نوعية من فيروز «سهر الليالى» إلى ماجدة الرومى «حبيبى سُكر مر طعم الهوى»، وليست تنويعة على مستوى الكلمة والنغمة من الأخوين رحبانى الشقيقين «عاصى ومنصور مع فيروز إلى الأخوين غير الشقيقين صلاح جاهين وكمال الطويل مع ماجدة الرومى».

الصلة المنطقية بينهما هى أن ماجدة الرومى ينتمى صوتها إلى مدرسة فيروز مثلما ينتمى كل من فيلمى «سهر الليالى» و«حبيبى سُكر مر» إلى المخرج هانى خليفة.

المقارنة والمقاربة فرضت نفسها على الفيلمين، لأن المخرج هانى خليفة حاضر بقوة فى كل التفاصيل التصوير والمونتاج والموسيقى والديكور والملابس وأداء الممثلين، كلها مفردات تخلق الجو العام وأمسك المخرج باقتدار بأدواته الفنية.

الفيلمان تشعر أنهما يسيطر عليهما نفس الإحساس السينمائى، والأمر هنا ليس له علاقة مباشرة لا بالبطولة الجماعية ولا ملامح البناء السينمائى، ولا العنوان الذى يدفعك مباشرة للبحث عما هو مشترك بينهما، لكن تلك الرابطة تتأكد من خلال المزاج الخاص للمخرج الذى فرض نفسه فى اختيار السيناريو وأسلوب التنفيذ. الفيلم الأول كتبه تامر حبيب قبل 12 عاما فى أول تجربة له، بينما الثانى كتبه محمد عبد المعطى فى فيلمه الثانى بعد «المهرجان». صمت هانى خليفة كان مثارًا للتساؤل: كيف يغيب مخرج كل هذه السنوات عن الساحة الفنية؟ كنت أعلم أن الغياب قرار وليس إجبارًا، فهو ينتمى إلى فصيلة نادرة وشبه منقرضة، تذكرك مثلا بمخرج كبير مثل داوود عبد السيد وقبله الراحل توفيق صالح، هؤلاء من الممكن أن يغيبوا لو كان فى الغياب حضور لإحساس يبحثون عنه، أو حفاظ على فكرة يريدون اقتناصها فى التوقيت المناسب، بنسبة كبيرة يعتقد المخرج أن هناك لحظة قادمة غير مواتية الآن، لكنها ستتحقق يوما، وسيصبح فيها قادرا على فرض نغمة فكرية يحلم بها.

المخرج يضع يده على تناقضات المشاعر التى بطبعها تميل إلى التطرف على الجانبين، مما يستهوينا فى لحظة سواء كان نتاج العقل أو العاطفة أو مزيجا بينهما، سواء استجبت إلى مشاعرك أو إلى مقياسك العقلى، فى الحالتين من الممكن أن تكتشف أنك اندفعت إلى طريق محفوف بالمخاطر، المرحلة الزمنية التى يتحرك فيها فيلم «حبيبى سكر مر»، تستغرق خمس سنوات، تبدأ مع ليلة رأس السنة 2009، لم يكن المخرج يريد أن يضع البعد السياسى الذى يشكل ولا شك حالة ضاغطة علينا جميعا فى محاولة اكتشاف تلك التفاصيل، ولكن ظل الزمن فى الخلفية ولا يُشكل أى عنصر فاعل بالمعنى المباشر، إنه مؤثر زمنى أكثر من كونه حافزًا سياسيا، فلا يعنينا موقف تلك الشخصيات من فساد مبارك ولا التوريث، لم يشغلهم شىء عن تلك الحياة التى يتعايشون فيها أكثر من كونهم يعيشونها، إنه الزمن الزجزاجى الذى يتحرك هنا وهناك صعودا وهبوطا، هكذا كتب محمد عبد المعطى السيناريو، وهو يبحث عن تطور الشخصيات عاطفيا، بعيدا عن موقف سياسى أو اجتماعى، فهو مثلا يقدم فى مطلع 2009 أغنية أحمد عدوية ورامى عياش «الناس الرايقة اللى بتضحك على طول»، ربما تعتبر أبطال الفيلم هم هؤلاء الناس الرايقة اقتصاديا، فلا يوجد مؤثر مالى صارم، لكن كل شىء حتى لو كان اقتصاديا فى عمقه، فإن التأثير هنا يخضع للتقبل والمرونة الفكرية. الأغنية مجرد إشارة إلى الزمن ولا تحمل أكثر من ذلك. الشخصيات العشر كلها تقع فى هذا الإطار، أنت تنتقل من منزل إلى «نايت كلوب» والبيوت بطبعها تميل إلى الثراء، ولكن لا شىء يدخل فى المعادلة سواء كان سياسيا أو اقتصاديا، القناعات الفكرية لتلك الشخصيات حتى تدين إحدى تلك الثنائيات التى جمعت بين شيرى عادل وهيثم أحمد زكى، يقدم المخرج من خلالها قناعة فكرية لا تأثير فيها للثورة ولا بحكم الإخوان، وليس لدى المخرج مثلما يحدث فى عشرات الأفلام والمسلسلات رغبة لفضح من يعتقدون أن الدين مجرد لحية وجلباب، هو فقط يضع يده على واحدة من الحالات العاطفية، وهناك مثلا من يرى أنه لا يحاسب المرأة التى قرر الزواج منها على ماضيها، وعليه أن يبدأ من الصفر، لكنه يكتشف حضور الماضى فى الحاضر، الإنسان دائما هو الإنسان، وهكذا يتحايل الزوجان المسيحيان بادعاء علة الزنى، لأنها الحجة الوحيدة فى المسيحية التى تبيح من خلالها الكنيسة «الأرثوذوكسية» الطلاق. المخرج يضع أبطاله دائما تحت إطار اللقطات القريبة والمتوسطة حتى تصبح اللمحة والنظرة قبل الكلمة هى البطل. لا يتعمق المخرج كثيرا فى تحليل الدوافع لماذا يصبح مثلا هذا متدينا إلى درجة التزمت، وما سر تعدد علاقات تلك المرأة؟ البناء الدرامى كما كتبه عبد المعطى أشبه باللوحة الجدارية، التى نتابع من خلالها الشخصيات على اختلاف أطيافها برؤية بانورامية نُكمل من خلالها الصورة بعمقها. الشخصيات معزولة حتى عن الشارع، لتظل فى حصارها العاطفى والعقلى. فى «حبيبى سكر مر» إعلان التمرد ليصبح الطلاق هو الحل، لتكتمل اللوحة بجهد وإبداع واضح، بفريق يتألق ليعزف رؤية المخرج، موسيقى مصطفى الحلوانى وتصوير أحمد عبد العزيز والمونتير أحمد حافظ وديكور يحيى علام.

الممثلون يبدعون فى أدوارهم، ولدينا مخرج يعلم بالضبط كيف يقتنص اللحظة. وأتوقف أمام سارة شاهين وأمينة خليل وأيضا كريم فهمى وأحمد الفيشاوى وهيثم أحمد زكى، إنها السينما التى تبرق مهما اشتد حولنا الظلام!!

التعليقات