التكرار الذي لا يُعلِّم الشطار

ماذا تفعل لو أن الكتابة اليومية المنتظمة هى حرفتك الوحيدة، ثم تقوم فى الصباح محتشدا لكى تنفّذ واجبك، فيصدمك أن رأسك فارغ تماما، تضرب فى جنباته الخاوية رياح العبث؟!

لعلك تقول الآن فى سرك: طب وأنا مالى.. لماذا تسألنى؟! هذه مشكلتك أنت، قمْ وابحث لها عن حل، أو ابحث لك عن شغلانة أخرى وحلّ عن سمانا.

أعرف -عزيزى القارئ- أنك مهذَّب وطيب، ولن تجهر بهذا الكلام «المنطقى» علنا، لكنك ربما لو قابلتنى سوف تعبِّر عن دهشتك برقة من أننى أشكو فراغ الرأس، بينما الدنيا من حولنا «تشغى» بفيض لا ينقطع من الأحداث والأنباء التى أغلبها سيئ جدا وأقلها معقول فى السوء، لو حدث ذلك لن يكون بمقدورى أن أردّ عليك إلا بأن أحكى لك باختصار، التجربة «ليست وحيدة» التى مررت بها، وأنا فى غمرة تحضير نفسى وعقلى لكتابة هذه السطور، فقد بدأت كالعادة، أنتقى عنوانا من بين عناوين همومنا المزمنة، وكلما تذكَّرت واحدا منها وشرعت فى ترتيب أفكارى بشأنها، فإن حماسى لهذا العنوان يبوخ ويخمد بسرعة، إذ أتذكَّر أن الأفكار نفسها قلتها وكتبتها من قبل، بدلا من المرة مئة، ولا شىء تغيَّر يلهمنى أفكارا جديدة فى الموضوع، ومن ثمّ أعود وأبدأ مشوارا جديدا مع عنوان موضوع آخر، وأيضا ينتهى المشوار إلى النتيجة نفسها، وهكذا.

إنه التكرار الممض الممل الذى يستولد فى رأسك صداع الخواء، ويثقل على قلبك بالإحباط واليأس، يعنى مثلا يا عمنا القارئ الكريم ربما حضرتك تتذكَّر أن العبد لله كتب قبل العيد بأيام، مذكرا بأن هذا الأخير يقترب من قرع أبواب الوطن، وأن هناك وعدا رئاسيا صريحا ومتواترا بالإفراج فى هذه المناسبة عن فتية وفتيات رائعين ورائعات، حتى لو كان صحيحا أن فى بعضهم شيئا من «الحماقة» مصدرها الإفراط فى الإخلاص والحماس الزائد لمصر وأهلها واستعجالهم بناء ما تهدم فى دولتهم ومجتمعهم على مدى عقود طويلة، وتحقيق أحلام ناعمة جميلة فورا، والآن الآن لا غدا.

لقد كتبت وقتها «ومرات عديدة قبلها» أن «الحماقة الشبابية» ليست جريمة، وأن ظلام السجن لا يليق بهؤلاء الفتية والفتيات (قارنت بينهم وبين فتيات «7 الصبح» العنيفات قليلات الأدب اللاتى طالبنا جميعا الرأفة بهن، وقد كان)، كما أسهبت فى الكلام عن أنه ليس من الحكمة خسارتهم وخسارة الشريحة الشبابية الخطيرة التى ينتمون إليها، أى الشباب المتعلم المهموم بوطنه والذى كان وقود ثورتين عارمتين «25 يناير» و«30 يونيو»، كما أنه كان النور والنار فيهما، تلك حقيقة مادية راسخة يستحيل إنكارها.

غير أن العيد كما ترى يا عزيزى أتى ورحل، وخرج إلى فضاء الحرية بعض ممن اقترفوا جرائم جنائية مختلفة، لكن العشرات من شبابنا المسالم بقى حيث هو، يعانى خلف جدران الزنازين المبالغة فى القسوة وافتقاد الرحمة وموت السياسة.

فما فائدة الكتابة إذن، غير التكرار الذى يبدو أنه لم يعد يعلم الشطّار ولا الخائبين؟!

التعليقات